الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

34

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه ، وبتلك الأساليب التي لم تبلغها الكتب السابقة كانت الطريقة التي يهدي إلى سلوكها أقوم من الطرائق الأخرى وإن كانت الغاية المقصود الوصول إليها واحدة . وهذا وصف إجمالي لمعنى هدايته إلى التي هي أقوم لو أريد تفصيله لاقتضى أسفارا ، وحسبك مثالا لذلك أساليب القرآن في سد مسالك الشرك بحيث سلمت هذه الآية في جميع أطوارها من التخليط بين التقديس البشري وبين التمجيد الإلهي ، فلم تنزل إلى حضيض الشرك بحال ، فمحل التفضيل هو وسائل الوصول إلى الغاية من الحق والصدق ، وليس محل التفضيل تلك الغاية حتى يقال : إن الحق لا يتفاوت . والأجر الكبير فسر بالجنة ، والعذاب الأليم بجهنم ، والأظهر أن يحمل على عموم الأجر والعذاب ، فيشمل أجر الدنيا وعذابها ، وهو المناسب لما تقدم من سعادة عيش بني إسرائيل وشقائه ، فجعل اختلاف الحالين فيهما موعظة لحالي المسلمين والمشركين . وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عطف على أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً لأنه من جملة البشارة ، إذ المراد بالذين لا يؤمنون بالآخرة مشركو قريش وهم أعداء المؤمنين ، فلا جرم أن عذاب العدو بشارة لمن عاداه . والاقتصار على هذين الفريقين هو مقتضى المقام لمناسبة تكذيب المشركين بالإسراء فلا غرض في الإعلام بحال أهل الكتاب . [ 11 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 11 ] وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ( 11 ) موقع هذه الآية هنا غامض ، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضا ، ولم يأت فيها المفسرون بما ينثلج له الصدر . والذي يظهر لي أن الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار وكان المنذرون إذا سمعوا الوعيد والإنذار يستهزءون به ويقولون : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * [ يس : 48 ] عطف هذا الكلام على ما سبق تنبيها على أن لذلك الوعد أجلا مسمى . فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا و أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً [ مريم : 66 - 67 ] وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في القرآن . وفعل يدعوا مستعمل في معنى يطلب ويبتغي ، كقول لبيد :